أبي منصور الماتريدي
218
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فهذا الموقف يكشف - أولا - عن تهيب عمر بن الخطاب مقتديا بأبي بكر من القول في كتاب الله ، ويكشف - ثانيا - عن أنه برغم التهيب فإن عمر أدلى بدلوه في التفسير ، وذلك حين تكون هناك مصالح عملية وواقعية تتوقف على مدلول العبارة . ولكي يصل إلى جواب قاطع للمسألة ، كان أحيانا يلجأ إلى طرح المسألة على الناس ، مثلما فعل في مسألة تحديد ليلة القدر ، فقد روى أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - جلس في رهط من الصحابة فذكروا ليلة القدر ، فتكلم كل بما عنده ، فقال عمر : ما لك يا ابن عباس لا تتكلم ؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة ، قال ابن عباس : فقلت : يا أمير المؤمنين إن الله وتر يحب الوتر ، فجعل الدنيا تدور على سبع ، وخلق أرزاقنا من سبع ، وخلق فوقنا وتحتنا سبعا ، فأراها في السبع الأواخر من رمضان ، فتعجب عمر ، وقال : ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه « 1 » . والحق أن عمر بن الخطاب في تفسيره للقرآن كان يسلك مسلكا واقعيّا عمليّا ، بمعنى أنه إذا كانت هناك مصلحة عملية تتوقف على تحديد مدلول اللفظ ، فإن التفسير في هذه الحالة يصبح بحثا ملحّا وأمرا ضروريّا ، وأما إن لم تكن هناك مصلحة عملية فلا بأس عنده ألا يدري مدلول اللفظ ؛ ولذلك نجده فيما يروى عنه حين كان يقرأ قوله تعالى : فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا [ عبس : 27 - 31 ] فقال : الفاكهة والقضب ، وهذه الأشياء عرفناها ، فما الأبّ ؟ فوضع يده على رأسه ثم قال : « إن هذا لهو التكلف يا ابن الخطاب ، وما عليك ألا تدري ما الأبّ ؟ » « 2 » . ومن كل ما سبق يتكشف لنا أن دور عمر بن الخطاب في التفسير كان دورا محدودا ، لكنه لبنة في تطور التفسير لا يمكن إهمالها وتركها دون الإفادة منها . 2 - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الحسن ابن عم النبي صلى اللّه عليه وسلم وختنه على ابنته ، أمير المؤمنين ، يكنى : أبا تراب ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، وهي أول هاشمية ولدت هاشميّا ، له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا ، اتفق البخاري
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 635 ) وذكر له طرق أخرى منها طريق عاصم أخرجه محمد بن نصر ، وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي ، وطريق عكرمة أخرجه عبد الرزاق ، وابن راهويه ، ومحمد بن نصر ، والطبراني ، والبيهقي ، وطريق سعيد بن جبير أخرجه ابن سعد ، وعبد بن حميد . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 12 / 451 ) ( 36367 ) و ( 36368 ) و ( 36369 ) ( 36370 ) وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب والخطيب والحاكم وصححه عن أنس عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 522 ) .